ابراهيم بن عمر البقاعي

650

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

كان ولا راد له وما لم يشأ لم يكن ، ولا مكون له ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع . ولما دل هذا الدليل الشهودي على ما بنيت الآية عليه من إثبات الملك له وحده مع ما زادت به من جنس السياق وعذوبة الألفاظ وإحكام الشك وإعجاز الترتيب والنظم ، كانت النتيجة قطعا مؤكدة لتضمن إشراكهم به الطعن في توحده بالملك مقدما فيها الوصف الذي هو أعظم شروط الملك : إِنَّهُ عَلِيمٌ أي بالغ العلم بمصالح العباد وغيرها قَدِيرٌ * شامل القدرة على تكوين ما يشاء . ولما تم القسم الأول مما بنى على العلم والقدرة ، والقدرة فيه أظهر وفاقا لما ختمت به الآية ، وكان قد يكون خلقه إياه إبداعا من غير توسط سبب ، وقد يكون بتوسيط سبب ، أتبعه القسم الآخر الأعلى الذي العلم فيه أظهر وهو الوحي الذي ختمت آيته أول السورة بالحكمة التي هي سر العلم ، وقسمه أيضا إلى ما هو بواسطة وإلى ما هو بغير واسطة ، ولكن سر التقدير في القسم الأول الكلام وهو الذي شرف به ، وكان لا يمكن أحدا أن يتكلم إلا بتكليم اللّه له أي إيجاده الكلام في قلبه قال : وَما أي وهو سبحانه تام العلم شامل القدرة غرز في البشر غريزة العلم وأقدره على النطق به بقدرته وحيا منه إليه كما أوحى إلى النحل ونحوها والحال أنه ما كانَ لِبَشَرٍ من الأقسام المذكورة ، وحل المصدر الذي هو اسم « كان » ليقع التصريح بالفاعل والمفعول على أتم وجوهه فقال : أَنْ يُكَلِّمَهُ وأظهر موضع الإضمار إعظاما للوحي وتشريفا لمقداره بجلالة إيثاره فقال : اللَّهُ أي يوجد الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال في قلبه كلاما إِلَّا وَحْياً أي كلاما خفيا يوجده فيه بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع عليه أحد إلا بخارق العادة إما بإلهام أو برؤيا منام أو بغير ذلك سواء خلق اللّه في المكلم به قوة السماع له وهو أشرف هذه الأقسام مطلقا سواء كان ذلك مع الرؤية ليكون قسيما لما بعده أولا أو يخلق فيه ذلك ومن هذا القسم الأخير وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [ القصص : 7 ] وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [ فصلت : 12 ] فإن إيداعها القوى التي يحصل بها المنافع مثل إيداع الإنسان قوة الكلام ثم قوة التعبير عنه - واللّه أعلم . وهذا معنى قول القاضي عياض في الشفاء في آخر الفصل الثاني من الباب الرابع في الإعجاز : وقد قيل في قوله تعالى وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً الآية أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة ، ومعنى قول الإمام شهاب الدين السهروردي في الباب السادس والعشرين من عوارفه : والعلوم اللدنية في قلوب المنقطعين إلى اللّه ضرب من المكالمة .